عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

112

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

واضمحلت له تراكيبي وانسحقت أجزائي وانمحقت ترائبي ، وكنت لا أسمع إلا صلصلة تندك الجبال لهيبته وتخضع الثقلان لعزّته ، ولا أبصر إلا سحابا من الأنوار منهلة بوابل من نار ، وأنا مع ذلك في ظلمات من بحار الذات بعضها فوق بعض ، فلا وجود لسماء تحتها ولا أرض ، فسيرت الجبال الراكدة ، ورأيت الْأَرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً : وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا « 1 » ولا يزالون كذلك أزلا وأبدا ، فقلت : ما للسماء ؟ فقيل : انْشَقَّتْ وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ « 2 » فقلت : وما للأرض ؟ فقيل « مُدَّتْ وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ « 3 » فقلت : وما للشمس ؟ فقيل : كوّرت والنجوم انكدرت ، والجبال سيرت ، والعشار عطلت ، والوحوش حشرت ، والبحار سجرت ، والنفوس زوّجت ، والموؤودة سئلت ، بأي ذنب قتلت ، والصحف نشرت ، والسماء كشطت‌و الجحيم سعرت ، والجنة أزلفت ، فقلت : مالي ؟ فقال الجلالي : عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ وهذه قيامة صغرى نصبها الحق لي مثالا للقيامة الكبرى لأكون على بينة من ربي فأهدي إليه من هو من حزبي ، فعند ذلك سأل سائل التدقيق عن ترجمان التحقيق ، فاستفهمته على عدم الجهل عن الصفات والذات وعن المقام الإلهي الذي هو بعد ذلك باستيفاء ما هناك ، وعن الإنسان ومن أي وجه يكون كتابة القرآن ، وكيف الأمر الختام الذي هو عند ذي الجلال والإكرام ، فضحك بعدما ابتسم ورمز عند تلك العبارات بإشارات في القسم فقال : فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ . الْجَوارِ الْكُنَّسِ . وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ . وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ . إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ . ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ . مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ « 4 » فقلبت بين عينيه واستوفيت ما أشار إليه : فكان للوصل حال لا أبوح به * فظنّ ما شئت إن الأمر متسع صبّ ومحبوبه في أوج خلوته * ملك ومالكه والجند مجتمع جلت عروس التداني فوق مرتبة * من الجلال كما لا طل منهمع فالأفق دائرة والسحب ماطرة * والرعد زاجرة والبرق ملتمع فالبحر في زخر والريح في هدر * والنار في شرر والماء يندفع

--> ( 1 ) آية ( 47 - 48 ) سورة الكهف . ( 2 ) آية ( 1 - 2 ) سورة الانشقاق . ( 3 ) آية ( 3 - 4 ) سورة الانشقاق . ( 4 ) آية ( 15 : 21 ) سورة التكوير .